أحمد بن محمد القسطلاني

196

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

والسلام : " صلوا كما رأيتموني أصلي " فعموم منطوقه مقدم على ذلك المفهوم . وادعى المزني نسخها ، لتركه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لها يوم الخندق . وأجيب : بتأخر نزولها عنه ، لأنها نزلت سنة ست ، والخندق كان سنة أربع أو خمس . ( { فلتقم طائفة منهم معك } ) فاجعلهم طائفتين ، فلتقم إحداهما معك يصلون ، وتقوم الطائفة الأخرى في وجه العدو ( { وليأخذوا أسلحتهم } ) أي : المصلون ، حزمًا . وقيل : الضمير للطائفة الأخرى ، وذكر الطائفة الأولى يدل عليهم ( { فإذا سجدوا } ) يعني : المصلين ( { فليكونوا } ) أي : غير المصلين ( { من ورائكم } ) يحرسونكم ، يعني : النبي ومن يصلّي معه ، فغلب المخاطب على الغائب ، ( { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا } ) لاشتغالهم بالحراسة ( { فليصلوا معك } ) ظاهره أن الإمام يصلّي مرتين ، بكل طائفة مرة كما فعله عليه الصلاة والسلام ببطن نخل ( { وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } ) جعل الحذر ، وهو التحرز والتيقظ ، آلة يستعملها المغازي ، فجمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ ( { ودّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة } ) بالقتال فلا تغفلوا ( { ولا جناح } ) : لا وزر ( { عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم } ) رخصة لهم في وضعها إذا ثقل عليهم أخذها بسبب مطر أو مرض ، وهذا يؤيد أن الأمر للوجوب دون الاستحباب ( { خذوا حذركم } ) أمرهم مع ذلك بأخذ الحذر كي لا يهجم عليهم العدو ( { إن الله أعدّ للكافرين عذابًا مهينًا } ) [ النساء : 101 - 102 ] وعد للمؤمنين بالنصر ، وإشارة إلى أن الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوهم ، بل لأن الواجب في الأمور التيقظ . وقد ثبت سياق الآيتين بلفظهما إلى آخر قوله : ( { مهينًا } ) كما ترى في رواية كريمة ، ولفظ رواية أبي ذر ( { فلتقم طائفة منهم معك } ) إلى قوله : ( { عذابًا مهينًا } ) وله أيضًا ، ولابن عساكر ، وأبي الوقت : ( { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح } ) إلى قوله : ( { عذابًا مهينًا } ) ولابن عساكر : ( { إن الله أعدّ للكافرين عذابًا مهينًا } ) وزاد الأصيلي : ( { أن تقصروا من الصلاة } ) إلى قوله : ( { عذابًا مهينًا } ) . 942 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : سَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي صَلاَةَ الْخَوْفِ - قَالَ : أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ : " غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِبَلَ نَجْدٍ ، فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي لَنَا ، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي ، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ ، فَجَاءُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ " . [ الحديث 942 - أطرافه في : 943 ، 4132 ، 4133 ، 4535 ] . وبالسند إلى المؤلّف قال : ( حدّثنا أبو اليمان ) الحكم بن نافع ( قال : أخبرنا شعيب ) هو : ابن أبي حمزة ( عن ) ابن شهاب ( الزهري قال ) : شعيب : ( سألته ) أي : الزهري . كذا بإثبات : قال ، ملحقة بين الأسطر في فرع اليونينية ، وكذا رأيته فيها ملحقًا بين سطورها ، مصححًا عليه . قال الحافظ ابن حجر ، رحمه الله : ووقع بخط بعض من نسخ الحديث ، عن الزهري ، قال : سألته . فأثبت : قال ، ظنًّا منه أنها حذفت خطأ على العادة ، وهو محتمل . ويكون حذف فاعل قال ، لا أن الزهري هو الذي قال ، والمتجه حذفها . وتكون الجملة حالية ، أي : أخبرني الزهري حال سؤالي إياه ( هل صلّى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ يعني صلاة الخوف - قال ) أي : الزهري ولأبوي ذر ، والوقت ، والأصيلي وابن عساكر فقال : ( أخبرني سالم ) هو : ابن عبد الله بن عمر ( أن ) أباه ( عبد الله بن عمر ) بن الخطاب ، ( رضي الله عنهما ، قال : غزوت مع رسول الله ) ولأبي ذر : مع النبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قبل ) بكسر القاف وفتح الموحدة ، أي : جهة ( نجد ) بأرض غطفان ، وهو كل ما ارتفع من بلاد العرب ، من تهامة إلى العراق ، وكانت الغزوة ذات الرقاع ، وأول ما صلّيت صلاة الخوف فيها سنة أربع أو خمس أو ست أو سبع ، وقول الغزالي ، رحمه الله في الوسيط ، وتبعه الرافعي : إنها آخر الغزوات ، ليس بصحيح ، وقد أنكر عليه ابن الصلاح في : مشكل الوسيط . ( فوازينا العدو ) بالزاي ، أي : قابلناهم ( فصاففنا لهم ) باللام ، ولأبي ذر ، عن الكشميهني : فصاففناهم ، ( فقام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلّي لنا ) أي : لأجلنا ، أو : بنا ، بالموحدة ( فقامت طائفة معه ) زاد في غير رواية أبي ذر : تصلي ، أي : إلى حيث لا تبلغهم سهام العدو ( وأقبلت طائفة على العدو ، وركع ) بالواو ، ولأبي ذر عن المستملي ، فركع ( رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمن معه ، وسجد سجدتين ) ثم ثبت قائمًا ( ثم انصرفوا ) بالنيّة ، وهم في حكم الصلاة عند قيامه ، عليه الصلاة والسلام ، إلى الثانية